في تهامة وُلد الحب على نار الشاي

في أحد أودية تهامة الجميلة، حيث ينساب الضوء بين الجبال وتهمس الرياح بحكايات العابرين، بدأت الحكاية؛ حكاية فتى الشاي وفتاة الشاي، وبينهما وُلد حبٌّ يشبه السلام وكان للشاي فيها مقامٌ لا يقلّ عن القلبين.

كان فتى الشاي يرعى غنمه، يتوسّط خصره جنبيته، وعلى كتفه بندقية المقمع، يحمي بها نفسه وأغنامه من المفترسات والمترصّدين من الإنس والحيوان. ورغم قسوة الحياة، كان يجد في الشاي وطنًا صغيرًا؛ طقسًا مقدّسًا يلوذ به من ضجيج العالم ، لم يكن الشاي عنده شرابًا فحسب، بل رفيق نهاره، وسرّ سكينته، ومرآة مزاجه؛ إن اعتدل طعمه، اعتدل قلبه، وإن طال غليانه، طال تأمّله.

وكان إذا اشتدّ عليه النهار، اتكأ تحت ظلّ إحدى الأشجار، وأشعل نارًا صغيرة، يتأنّى في إعداد الشاي كأنه يكتب قصيدة: يقيس الماء بعينه، ويُنصت لغليانه، ويراقب أوراقه وهي ترقص في القدر، حتى تفوح رائحته فتملأ الوادي دفئًا، وكأنها تعلن أن للحياة وجهًا آخر أكثر لطفًا.

وفي أحد الأيام، بينما كان يعبر غديرًا صافياً، توقّف كعادته، وأشعل ناره ليصنع كوبه المعتاد. كان الماء يغلي، وصوت الفقاعات يشبه نبضًا خفيًا، كأن الشاي نفسه يستعدّ لشيءٍ لا يعرفه. عندها مرّت مجموعة من الفتيات، فكسرن سكون المكان، فالتفت فوقعت عيناه على عيني إحداهن.

لحظةٌ سكت فيها كل شيء حتى الشاي.

لم يشعر بنفسه حتى خمدت النار، وسكن الغليان، لكن في داخله اشتعلت نارٌ أخرى، نارٌ لم يُطفئها الزمن، كأن الشاي الذي أعدّه لم يكن إلا تمهيدًا لاشتعال قلبه.

مضت، وبقي هو ومعه الشاي، الشاهد الوحيد على تلك اللحظة.

ومنذ ذلك اليوم، تغيّر طعم الشاي.

صار أكثر عمقًا أكثر انتظارًا.

لم يعد يصنعه ليهدأ، بل ليشتاق.

لم يعد كوبًا واحدًا يكفيه، فصار يعدّ كوبين، وكأن الشاي أدرك قبله أن في الحكاية قلبًا آخر سيجيء.

كان يعود إلى الغدير كل يوم، يشعل النار، ويضع الماء، وينتظر و يراقب الغليان وكأنه يسأل: هل تأتي اليوم؟ وكان الشاي يجيبه برائحته الصاعدة، كأنها رسالة أمل لا تنقطع.

وفي يومٍ ما، وبينما كان الشاي يبلغ ذروته، سمع وقع خطواتٍ خفيفة ، هذه المرة لم يلتفت إلى الصوت بل إلى الشاي، كأنه واثق أن الإجابة ستأتي معه. 

حتى جاءه صوتها:

ألا تشاركني كوبًا؟

رفع رأسه ببطء، فإذا هي ،

ابتسم، ثم نظر إلى الشاي وقال:هو من انتظركِ قبلي.

جلسا، وصبّ لها الشاي، فارتجفت يده قليلًا، فابتسمت وهي تتأمل الكوب: يبدو أنك لا تُجيد الشاي فقط بل تُحسن اختياره.

ارتشفت أول رشفة، فأغمضت عينيها، وقالت : هذا ليس شايًا هذا حديث ، فأجاب : بل هذا ما عجزتُ عن قوله.

ومنذ ذلك اليوم، صار الشاي ثالثهما .

إذا صمتا تحدّث وإذا تباعدت الكلمات جمعهما وإذا ثقل القلب خفّفه برشفاته.

كانا يلتقيان تحت الشجرة، يشعلان النار، لكنهما لم يعودا يصنعان الشاي بل يصنعان لحظةً كاملة. 

كان الشاي بينهما وطنًا صغيرًا، يختبئان فيه من العالم .

تعلّما أن الشاي ليس ماءً يغلي، بل وقتٌ يُمنح، وهدوءٌ يُصنع، وقلبٌ يُسكب في كوب وأن الحب، مثل الشاي، إن لم يُصنع بصبر، فقد معناه، وإن لم يُشارك، فقد دفأه.

وفي كل مرة كان يصبّ لها الكوب، كانت تبتسم، وكأنها تقول:

هذا الشاي يشبهك فيجيبها بعينيه: بل يشبهنا.

وهكذا، في وادٍ بسيط، وبين شجرة وغدير وكوبين من الشاي، لم يكن الحب وحده ما وُلد بل وُلد معنى جديد للحياة؛

أن بعض الأشياء الصغيرة، ككوب شاي، قد تكون أعظم من كل ما نظن، لأنها لا تُدفئ الأيدي فقط بل تُعيد ترتيب القلب.

تعليقات

  1. ما بين غليان الشاي وسكون الوادي، انكتبت حكاية ما تعتمد على الكلام، بل على الشعور.
    تفاصيلها بسيطة، لكن عمقها كبير، كأن الشاي ما كان مجرد كوب، كان إحساس ينطبخ على نار هادية، ووقت يعاش بكل صدق، وقلبين التقوا بدون موعد.
    هالحكاية تثبت إن الأشياء الصغيرة مو عابرة، أحياناً هي اللي تغيرنا، وتخلينا نحس بالحياة بشكل أصدق وأجمل.

    شكراً لك يا انيق الحرف…
    كلماتك وصلت للقلب بكل بساطة، وهذا الإبداع ما يجي إلا من صدق المشاعر.

    ردحذف

إرسال تعليق

وصل صوتك للكاتب.. شاركنا أثر الكلمات في نفسك 💛