حين مات أكثر من إنسان

في اليوم الثالث من العيد، حين كان الفرح ما يزال عالقًا على الأبواب، وحين لم يجف أثر رمضان بعد من الأرواح، غاب هادي !

غاب بهدوء يشبه هدوء الصالحين حين يختارهم الله دون ضجيج.

في ليلة كان يفترض أن تكون عامرة بالسرور، خرج هادي من بيته مجيبًا دعوة، حاملاً في قلبه قريته، وفي روحه همّ شيخه، وفي خطواته نية الإصلاح التي لم تغادره يومًا. لم يكن رجل مناسبة، بل كان رجل معنى؛ حيثما حضر حضر الخير، وحيثما غاب افتقده الناس. 

ورث الوفاء كما يُورث الاسم، وتناقلت عائلته الكرم جيلًا بعد جيل، حتى صار خُلُقًا لا يُذكر إلا وذُكروا معه.

عاد عند منتصف الليل، جسدًا أنهكه العطاء، وقلبًا ما زال معلّقًا بالطاعة. 

أسند رأسه، وهو يعقد نية صيام الست من شوال، كما اعتاد كل عام، كأنما كان يكتب موعدًا جديدًا مع الله، لا يعلم أنه الأخير.

دخلت عليه ابنته، فوجدته غارقًا في قصيدة، يراجع أبياتها لحفلٍ يقيمه شيخ قبيلته، وهو من يتولى ترتيبه، لأن بعض الرجال لا يحسنون إلا أن يكونوا في الواجهة حين يُحتاج إليهم. 

سألته بحب : ماذا أصنع لك يا أبي؟
ابتسم، تلك الابتسامة التي كانت تطمئن أكثر مما تجيب، وقال: شاي ، وأعدّي لي سحورًا، وتعالي لأسمعك ما كتبت للغد.

خرجت لتفعل ما تحب أن تفعله له ، وعادت الحياة لتفعل ما لا نحب.
خرجت من الغرفة لتعود، وخرج هو من الدنيا فلا يعود.

انكسرت القلوب كما ينكسر الزجاج دفعة واحدة، وبكت القرية بكاملها، لا حزنًا على رجل فحسب، بل على معنى كان يسكنها.

 لم تكن الفاجعة عادية، لأن الراحل لم يكن عاديًا. 

كان أبًا لمن لا أب له، وظهرًا للمحتاجين، ويدًا تمسك بالضعفاء قبل أن يسقطوا. 

كان ابنًا بارًا لكبار السن، ووجهًا حاضرًا في كل فرح، وصوتًا خافتًا يواسي في كل مأتم.

رحل وترك فراغًا لا يُقاس بالمساحات، بل بالأرواح التي كانت تستند عليه.

 فراغًا لا يملؤه أحد، لأن بعض البشر لا يُعوَّضون، بل يُتذكَّرون ويُبكى عليهم طويلًا.

وترددت في الذاكرة كلمات الزير سالم، حين صُدم بموت أخيه، وهو يقول:
هل مات كليب؟ هل مات كله؟
وهكذا نحن اليوم نسأل، لا لنجد جوابًا، بل لنعبّر عن وجعنا:
هل مات هادي؟ هل مات كله؟

اللهم لا اعتراض على قضائك، ولكننا نسألك لطفًا يهوّن الفقد، وصبرًا لا ينكسر، وجبرًا يعيد ترتيب القلوب، وسلوانًا يليق بعظم المصاب.

تعليقات

  1. لم يمت هادي فجأة…
    هو فقط سلم الأمانة وعاد.
    عاد كما عاش بهدوء، وبقلب ممتلئ، وبنيه لم تنقطع.
    الموجع ليس موته، بل كيف انكشف ثقل الفراغ بعده.
    دمت سالم يا أنيق..~|

    ردحذف

إرسال تعليق

وصل صوتك للكاتب.. شاركنا أثر الكلمات في نفسك 💛