لكل منا رزق💜

 لكلٍّ منّا رزق


بعض اللقاءات تعيد إلينا وجوهنا القديمة، وتكشف لنا كم تغيّرت الحياة.

لي صديقتان عبر بنا الزمن محطات كثيرة. بقينا على تواصل، وإن تباعدت فتراته، حتى قررنا أن نلتقي بعدما اكتشفنا أن أكثر من أحد عشر عامًا مرّت على آخر لقاء جمعنا.

كنت أولى الحاضرات، لأرتّب المكان والضيافة.

حضرت سعاد فرِحة، تعبّر عن سعادتها بهذه الفرصة التي أتاحتها لها الحياة رغم انشغالها. في إحدى يديها حقيبة مكتظة بكل ما يحتاج إليه طفلها، وفي الأخرى يد صغيرها المتشبّث بها.

ثم حضرت غادة، هادئة وأنيقة، يسبقها عطرها ويلتفّ حول المكان معلنًا حضورها. كانت عيناها تلمعان فرحًا برؤيتنا، وفي يدها حقيبة حاسوب محمول، إلى جانب حقيبة شخصية تحمل اسم علامة معروفة.

جلسنا نضحك ونبكي، نستعيد أيام الدراسة والمواقف التي جمعتنا. وبين ضحكة وحكاية، كنت أسرح في ملامحهما، أتأمل ما تركته السنوات في كل واحدة منا.

أين سعاد المراهقة؟ وأين غادة المشاغبة؟
وأين أنا؟

فتحت سعاد حقيبتها تبحث عن هاتفها، فسقطت علبة البسكويت، ثم عبوة العصير، وانسكب حليب صغيرها على عباءتها. ساعدتها في تنظيفها وترتيب المكان، ثم عدنا إلى الهاتف نتأمل صور أبنائها: أحدهم مبتعث، والآخر طبيب، وابنتها الوحيدة ما زالت في الجامعة.

أما صغيرها، فكررت ضاحكة أنه لم يكن ضمن الخطة، وأن قدومه زاد أعباء الأسرة عليها. ثم التفتت إليه بحنان وقالت:
«لكنه القعدة… آخر العنقود».

في تلك الأثناء، رنّ هاتف غادة. فتحت حقيبتها الصغيرة، وأخرجت هاتفًا جديد وعليه غطاء مرصع باسمها لمحت داخل الحقيبه زجاجة عطر بحجم مناسب غالي الثمن، وقلم أحمر شفاه من علامة فاخرة مميز.

ردّت بهدوء:
«نعم، سأرسل البريد الإلكتروني الآن».

اعتذرت منا وأخرجت حاسوبها. عندها قالت سعاد:
«أغبطك يا غادة… على هدوئك، ورشاقتك، وأناقتك، وعلى مكانتك في العمل. تبدين وكأنك تعيشين حياة ناجحة، تنطلقين فيها نحو كل ما تتمنين».

ثم أخذت تحكي كيف تركت دراستها لتتزوج وتنجب، وكيف استثمرت سنواتها في أبنائها، حتى أصبح نجاحهم هو النجاح الذي تعتز به.

نظرت إليها غادة طويلًا، ثم قالت:


«لكلٍّ منا اختيارت يا سعاد، ولكلٍّ منا نجاح مختلف… ولكلٍّ منا رزق».

سكتت قليلًا، قبل أن تضيف:
«كنت أتمنى أن أكون أمًّا. أن أعود من صراعات العمل وإجهاد السعي إلى بيت يحتضنني، وأجد فيه من أغدق عليه حبي وحناني».

ساد بيننا صمت قصير. نظرت سعاد إلى صغيرها، وبقي حاسوب غادة مفتوحًا أمامها. أما أنا، فكنت أفكر في الأمنيات التي لم نتحدث عنها طوال تلك السنوات.

قطع الصمت نادل جاء يخبرنا أن وقت الحجز قد انتهى.

وفجأة، تحوّل الحديث كله إليّ:
«كيف تختارين مكانًا يُحسب فيه اللقاء بالساعة؟!»

اعتذرت، ثم حاولت أن أسترضيهما بوعد مازح:
«حسنًا… اللقاء المقبل بعد أحد عشر عامًا!»

ضحكنا، ونحن نعرف أن ما نحتاج إليه الآن هو موعد أقرب، ووقت أطول.

رحلنا جميعًا، وفي قلب كل واحدة منا أمنية تبدو بعيدة، وأمل لم ينطفئ. حملنا معنا ذكرى جديدة، بعد أحد عشر عامًا من الغياب، ويقينًا بأن لكلٍّ منا رزقًا… قد تراه الأخرى بوضوح، بينما تنشغل صاحبته بما تتمنى.


تعليقات

  1. أحياناً نبالغ في الإنصات لما ينقصنا، حتى لا نعود نسمع الفرح بما لدينا. وربما يبدأ الرضا حين نتوقف عن محاكمة حياتنا بما تحقق لغيرنا.

    شكراً أ. ابتسام، جعلتِ القارئ يلتفت إلى نفسه، ويسأل هل أنصفت ما بين يدي؟
    دمتِ ودام قلمك~|

    ردحذف

إرسال تعليق

● وصل صوتك للكاتب.. شاركنا أثر الكلمات في نفسك 💛