حين لا يكون المزاح بريئاً


عاد الطفل إلى بيته مختلفاً.

لم يكن يبكي، ولم تكن على وجهه علامة تخبر والديه أن شيئاً حدث. دخل غرفته كعادته، أغلق الباب، وجلس بصمت.

وحين سألته أمه:

(فيك شيء؟)

قال:

(لا)

كانت كلمة قصيرة، لكنها أخفت خلفها حكاية أكبر من عمره.

فبعض الأطفال لا يعرفون كيف يصفون ما حدث لهم، ولا يعرفون أن لذلك التصرف اسماً. كل ما يعرفونه أن يداً اقتربت أكثر مما ينبغي، أو كلمة جعلتهم يخجلون، أو نظرة أخافتهم، أو شخصاً تجاوز حدودهم، ثم اختصر كل ما فعله بجملة

(كنت أمزح)

وربما أضاف إليها

(لا تقول لأحد…كنا نمزح) 

وكم من تجاوز احتمى بهذه الجملة.

كلمة غير لائقة، كنت أمزح.

إشارة خادشة، كنت أمزح.

لمسة تجاوزت حدودها، كنت أمزح.

وحين يُستنكر الفعل، يأتي العذر جاهزاً

(كنت أمزح)

لكن المزاح لا يجعل الخطأ صواباً، ولا يمحو أثره، ولا يمنح أحداً الحق في تجاوز حدود إنسان آخر.

فليس كل ما قيل ضاحكاً يُسمى مزاحاً، وليس كل من ضحك بعد تجاوزه أصبح بريئاً منه.

ومن هنا تبدأ المشكلة.

ليس لأن الطفل لم يتكلم، بل لأننا أحياناً لم نعلمه كيف يتكلم.

نعلم أبناءنا أن يحترموا الكبير، وأن يسمعوا كلامه، وأن يسلموا على الضيف، وألا يرفعوا أصواتهم، ونكرر عليهم كثيراً أن الأدب من حسن التربية.

وكل ذلك جميل.

لكننا ننسى أحياناً أن نعلمهم شيئاً لا يقل أهمية

أن لأجسادهم حدوداً.

وأن احترام الكبير لا يعني أن يسمحوا له بكل شيء.

وأن القريب يبقى قريباً، لكنه لا يملك حقاً في أجسادهم.

وأن كلمة (لا) ليست قلة أدب عندما يكون الإنسان يدافع بها عن نفسه.

فالتحرش ليس دائماً ذلك المشهد الكبير الذي نتصوره.

قد يبدأ بكلمة.

وقد يكون إشارة.

وقد يكون نظرة تحمل معنى لا يليق.

وقد يكون لمساً متعمداً.

وقد يتخفى خلف ضحكة، أو مزحة، أو جرأة اعتاد أصحابها أن يبرروها بقولهم

(الأمر بسيط)

لكن بعض الأشياء لا تصبح بسيطة لمجرد أننا أطلقنا عليها اسماً أخف.

فالطفل قد ينسى كثيراً من تفاصيل يومه، لكنه قد يحمل لسنوات شعوراً لم يعرف كيف يصفه يوم حدث.

ولهذا، حين يأتيك ابنك مرتبكاً ويقول

(فلان سوى معي شيء ما عجبني)

لا تجعل أول أسئلتك

لماذا ذهبت معه؟

لماذا لم تبتعد؟

لماذا لم تصرخ؟

ولماذا لم تخبرني في وقتها؟

فالطفل الذي جمع شجاعته ليخبرك، لا يحتاج في تلك اللحظة إلى محقق.

يحتاج إلى أب.

ويحتاج إلى أم.

يحتاج أن يسمع قبل كل شيء

(تكلم، أنا معك)

ثم اسمعه.

لأن بعض الأطفال يصمتون عن الأذى، ليس لأنهم لا يريدون الكلام، بل لأنهم يخافون مما سيحدث بعد الكلام.

وقد يكون الأمر أشد ألماً حين يكون المتحرش معروفاً.

قريباً.

صديقاً.

شخصاً نثق به.

وهنا يبدأ بعض الكبار، للأسف، في وزن كرامة الطفل بميزان العلاقات

(لا نريد مشاكل)

(يمكن فهم غلط)

(خلونا نستر الموضوع)

لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل هذه الجمل

ومن يستر خوف الطفل؟

فالستر لا يكون على حساب الضحية، وصلة الرحم لا تعني أن نصمت عن الأذى، وسمعة العائلة لا تُحمى بأن نجعل طفلاً يحمل في داخله ما لم يستطع الكبار مواجهته.

ولأن أبناءنا لن يبقوا أمام أعيننا طوال الوقت، فلا يكفي أن نقول لهم

(انتبهوا لأنفسكم)

بل يجب أن نشرح لهم بلغة أعمارهم

جسدك لك.

هناك أماكن خاصة لا يحق لأحد أن يلمسها.

إذا أخافك تصرف شخص، ابتعد.

إذا حاول أحد تجاوز حدودك، قل (لا)

إذا طلب منك أحد أن تخفي شيئاً يخص جسدك عن والديك، فأخبرهما.

وإذا حدث شيء، فلا تخف من العودة إليهما.

لكن علينا نحن أيضاً ألا نحمل الطفل مسؤولية حماية نفسه كاملة.

فالطفل قد يخاف.

وقد يتجمد في مكانه.

وقد لا يصرخ.

وقد لا يفهم ما يحدث أصلاً.

وهذا لا يجعل الخطأ خطأه.

المسؤولية تقع على من عرف الحدود وتجاوزها.

ولهذا جاءت الأنظمة لحماية الطفل وتجريم التحرش وتشديد العقوبة حين يكون المجني عليه طفلاً، لأن المسألة ليست (مزحة ثقيلة)، بل اعتداء على مساحة كان يفترض أن تبقى آمنة.

ومع ذلك، يبقى النظام آخر الطريق.

أما أوله فيبدأ من البيت.

من أب لا يسخر من خوف ابنه.

وأم لا تطلب من طفلها السكوت.

وأسرة تجعل الحديث معها أكثر أماناً من الصمت عنها.

اجعلوا أبناءكم يعرفون أن البيت ليس فقط المكان الذي يعودون إليه آخر النهار، بل المكان الذي يستطيعون العودة إليه بكل ما حدث لهم، دون خوف من لوم، ودون تردد في الكلام.

فالبيت الآمن ليس ذلك الذي لا يصل إليه الأذى، فهذا أمر قد لا نملكه دائماً، بل ذلك الذي يعرف الطفل أنه إن أصابه أذى خارجه، فلن يضطر إلى إخفائه داخله.

نحن لا نستطيع أن نمنع أبناءنا من مقابلة العالم، ولا أن نرافقهم في كل شارع، ومدرسة، ومجلس، ومكان.

لكننا نستطيع أن نمنحهم شيئاً يرافقهم حين لا نكون معهم

وعياً يعرف الحدود.

وصوتاً يعرف متى يقول (لا)

وثقة بأن خلفهم بيتاً إذا عادوا إليه خائفين، لن يسألهم أولاً

(ماذا فعلت؟)

بل سيقول لهم

(ماذا حدث لك؟)

وبين السؤالين قد يكون الفرق بين طفل يحمل خوفه سنوات، وطفل عرف منذ البداية أن هناك من يسمعه ويحميه.

لهذا، لا يكفي أن نحذر أبناءنا من العالم، بل علينا أن نمنحهم صوتاً داخلياً يعرف متى يرفض، ومتى يبتعد، ومتى يتكلم، وأن نمنحهم قبل ذلك بيتاً يعرفون أنهم يستطيعون العودة إليه دون خوف.

علموهم أن القرابة لا تلغي الحدود، وأن الصمت ليس أدباً حين يكون فيه أذى، وأن (كنت أمزح) لا تمحو تجاوزاً، وأن المزاح يتوقف حين تبدأ كرامة الإنسان.

وأن لهم، مهما صغر عمرهم، حقاً كاملاً في أن يقولوا

(قف، هذا جسدي، وهذه حدودي)


فعلموا أبناءكم هذه الجملة قبل أن يضطروا يوماً إلى تعلم معناها بالطريقة الأصعب.

تعليقات

إرسال تعليق

وصل صوتك للكاتب.. شاركنا أثر الكلمات في نفسك 💛