كبر الأبناء و ماتت القطه💜

 كبر الأبناء… وماتت القطة السا💜Elsa

هناك لحظات لا نشعر فيها أن شيئًا انتهى فحسب، بل نشعر أن عمرًا كاملًا مرَّ أمامنا دفعة واحدة.

رحيل قطتي لم يكن فقدًا عابرًا، ولم يكن حزنًا على كائن صغير اعتدنا وجوده في المنزل، بل كان مواجهة هادئة مع الزمن نفسه.

كانت تنتظرني عند باب البيت، وكأن العودة لا تكتمل إلا بعينيها. أحببت دلالها، وثقتها المطلقة بأنها ستحصل دائمًا على ما تريد، وخطواتها الصغيرة وهي تراقب أبنائي، 


ثم تركض لاستقبالهم، وتنام مطمئنة بقربهم، وكأنها تعرف أنها محاطة بحبٍ يكفي العالم كله.

لم تكن مجرد قطة، بل روحًا خفيفة تسكن البيت. كانت تملأ أركانه بحركة بسيطة، لكن أثرها كان أكبر بكثير مما كنا ندرك، ولم نفهم حجم ذلك الأثر إلا بعد الغياب.

ثم مرضت.

وكان المرض قاسيًا على روح اعتادت أن تبث الحياة في المكان. قاومت ستة أشهر كاملة بشجاعة أدهشتنا جميعًا. كانت تقاتل بصمت، لكن هناك معارك لا تكفي فيها الشجاعة وحدها.

رحلت.

ورحل معها شيء لم أكن أعرف أنني سأفتقده بهذا العمق.

وفي عيون أبنائي رأيت الحزن في صورته الأولى؛ ذلك الحزن الذي يعلمنا أن الفقد لا يُقاس بحجم الكائن، بل بحجم المكان الذي كان يشغله في القلب.

بعد رحيلها بدا البيت مختلفًا.

الصمت أصبح أوسع، والأركان أكثر برودة، والباب الذي كانت تنتظر عنده صار مجرد باب.

كبر الاولاد… وماتت القطة.

وفجأة شعرت كيف يمر العمر بصمتٍ مدهش.

كيف تتحول الأشياء التي ظنناها ثابتة إلى ذكريات، وكيف تصبح الأيام التي عشناها ببساطة جزءًا بعيدًا من الماضي.

يكبر الأبناء، وينشغل كلٌّ بحياته، وتقل اللقاءات مع الأصدقاء، وتبدأ الوجوه التي كانت تملأ أيامنا بالتسرب من أعمارنا واحدًا تلو الآخر.

عندها نكتشف أن معظم ما نملكه مؤقت، وأن الحياة لا تُبقي أحدًا كما كان.

ربما لهذا نتعلق بالكائنات الصغيرة بهذا العمق.

قطة، أو طائر اعتدنا صوته، أو نبتة اعتنينا بها سنوات…

هي لا تعوض البشر، لكنها تمنح القلب ذلك النوع النادر من الطمأنينة؛ حبًا بلا تعقيد، وبلا شروط، وبلا خذلان. يكفيها أننا نعود آخر النهار.

لكن الحقيقة التي أدركتها بعد رحيلها أن الإنسان لا ينجو بالكائنات وحدها.

فنحن لا نحتاج فقط إلى من يملأ البيت، بل إلى ما يملأ أرواحنا أيضًا.

فالوحدة في الكِبر ليست غياب الناس فحسب، بل غياب المعنى. أن تمر الأيام، ولا يبقى في الداخل ما يوقظ الرغبة في الحياة.

ولهذا ربما علينا أن نسأل أنفسنا من الآن:

ماذا نبني لأنفسنا بعيدًا عن ضجيج الأيام؟

ما الذي سيبقى معنا حين يكبر الأبناء، ويقل الزائرون، ويهدأ كل شيء؟

ربما علينا أن نصنع لأنفسنا عالمًا خاصًا قبل أن يأتي ذلك العمر.

عالمًا يشبهنا…

يمتلئ بشغف، أو كتابة، أو حديقة صغيرة، أو كتاب، أو موسيقى، أو أصدقاء يشبهون السلام، وبقدرتنا على أن نكون رفقة طيبة لأنفسنا.

فالإنسان لا ينجو من الوحدة بكثرة من حوله، بل بقدرته على أن يبقى حيًا من الداخل.

ومع ذلك…

ستبقى صورتها عند الباب، وخطواتها الصغيرة، ودلالها، جزءًا من ذاكرة هذا البيت، وجزءًا من ذاكرتي أنا.

وأدرك اليوم أن بعض الكائنات، مهما صغر حجمها، لا تغادر حين ترحل… بل تترك في القلب مكانًا لا يملؤه أحد.




تعليقات

إرسال تعليق

وصل صوتك للكاتب.. شاركنا أثر الكلمات في نفسك 💛