ليلة الدخلة

في آخر يومٍ له معها، بعد أن احتضنته ما يقارب خمس سنوات، عاد بذاكرته إلى لحظة اللقاء الأول. 

يومها وقف مأخوذاً بها، تستعجله الرغبة إلى عقد قرانه الأول على عجل، وما إن قبلت به حتى امتلأ قلبه فرحاً، وشاركه أحبابه بهجة البدايات، وهو يرسم في مخيلته مستقبلاً جديداً في حضن عذراء فاتنة كما شهدها أول مرة.

لم يكن يدري أن الوجه الشاحب كانت تخفيه طبقات الزينة، وأن العيون التي أسرته كانت تستعير ألوانها، وأن الشفاه التي أغرته لم تكن سوى آثارٍ غطتها المساحيق. 

كان مأخوذاً بالصورة حتى نسي السؤال عن الحقيقة، ومفتوناً بالبريق حتى غفل عما يختبئ خلف الستار.

ومضت الأيام، حتى جاءت ليلة الدخلة .

الليلة التي لا تنفع فيها الوعود، ولا تجدي فيها المساحيق، ولا يبقى فيها إلا وجه الحقيقة، عارياً من كل زيف.

هناك، رآها كما لم يرها من قبل.

كانت كريهة الرائحة، لا تعرف للنظافة سبيلاً، ولا للترتيب معنى، وقد أفسدتها سنواتٌ طويلة لم يكن يراها بعين المحب.

حينها أدرك أن بعض الأشياء لا تخدعنا بجمالها، بل نخدع أنفسنا حين نبالغ في رسمها، ونمنحها من أحلامنا ما ليس فيها.

فليس كل ما يفتن العين يطمئن القلب، وليس كل بريقٍ دليلاً على الصفاء.

وبعض ليالي الدخلة لا تكون بدايةً للحياة، بل نهايةً للوهم؛ إذ لا تكشف حقيقة ما أحببناه فحسب، بل تكشف أيضاً كم كنا مفتونين بالصورة، وكم تأخرنا في رؤية الحقيقة.

فأشد الخيبات ليست في الأشياء حين تنكشف ، بل في الأوهام حين تسقط ..

تعليقات

  1. شكراً لك يالبدر
    الفكرة جميلة من ناحية تسليط الضوء على صدمة التوقعات، لكن أحياناً المشكلة ما تكون في الحقيقة نفسها، بل في الصورة اللي رسمناها مبكراً. كل تجربة إنسانية تحتاج قراءة أعمق من لحظة انكشاف واحدة.

    ردحذف
  2. قصه جميله ومعبره وتحمل معاني عميقه عن ما يمر به الإنسان من صدمات ومواقف وما يتعرض له من بعض المظاهر الخداعة والتي قد توصله لعكس ما كان يسعى في الوصول اليه. استمر والبتوفيق ابني الجميل👌💐🤍

    ردحذف
    الردود
    1. عمي مجاهد شكراً لمرورك ، كلماتك تسعدني والله،
      اسعدك ربي

      حذف

إرسال تعليق

وصل صوتك للكاتب.. شاركنا أثر الكلمات في نفسك 💛