سكونٌ رحب

بعد أن انتهيت من الصلاة، عدت إلى الكرسي المركون في زاوية المسجد، أُسند إليه ظهري كأنني أضع ثِقَل ما بداخلي في موضعٍ آمن. 

ناولني خالي علبة ماء باردة، أُخرجت من ثلاجةٍ وضعها المحسنون سبيلاً، فبدت لي كأنها رحمة صغيرة تمشي على هيئة ماء.

قبل أن أضع قدمي اليمنى على عتبة الدخول، كنت مثقلًا على غير عادتي، يخنقني الهواء، وممتلئًا بأفكارٍ عن حياةٍ لا تشبهني في تلك اللحظة.

وحين دخلت، بدأت أقرأ القرآن، فإذا بالآيات تمر على القلب وتمسح عنه ما تراكم فيه. 

توقفت عند قوله تعالى: ﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ (سورة العصر: 3)، فشعرت أنها ليست آية عابرة، بل نافذة تُفتح من داخل الروح لا من خارجها.


هناك أدركت أن الحق ليس مجرد فكرة تُقال، بل طريق يُقام به الإنسان على نفسه قبل غيره، وأن الصبر ليس انتظارًا ثقيلًا، بل سكونٌ داخليٌّ يثبت القلب ويهذّب الروح.


ومع كل ذلك، شعرت أن المسجد لم يكن مكانًا فقط، بل حالة تعيد ترتيب الداخل بصمت، وتنقلني من ثقلٍ لا يُقال إلى خفةٍ تُشبه الطمأنينة. هدأت الروح، واستقر القلب، وكأن كل ما كان مضطربًا بدا أقرب إلى الرضا.


خرجت وأنا أحمل سكينةً واضحة، ويقينًا أن ما يقدّره الله هو الخير، وأن في كل حالٍ نصيبًا من الحكمة، وأن الرضا حين يسكن القلب يجعل الحياة أوسع وأجمل، مهما كانت الظروف.


وفي الأفق، كان الأمل حاضرًا بهدوءٍ جميل، لا يضجّ ولا يتكلم كثيرًا، لكنه يرافق الخطى بثبات، ويجعل الغد مساحةً للطمأنينة لا للخوف، وللخير لا للقلق.

تعليقات

  1. يا البدر💛
    بعض النصوص تُقرأ، ونصوص أخرى تُشعرك أنك مررت بها من قبل دون أن تكتبها، وهذا أحدها.

    كتبت السكينة وكأنك تعرف الطريق إليها جيداً، وجعلت من التفاصيل العابرة معنى واسعاً يُشبه الطمأنينة بعد تعب طويل.
    في نصك شيء هادئ لا يُفسّر بسهولة، لكنه يبقى في القلب بعد النهاية.

    جميل جداً هذا الصدق، وجميل هذا الاتزان في اللغة والشعور.
    أبدعت يأنيق..~|

    ردحذف

إرسال تعليق

وصل صوتك للكاتب.. شاركنا أثر الكلمات في نفسك 💛