رقصة الوداع

مشهدٌ يتكرر حتى يألفه القلب على مضض، ويعتاد تفاصيله رغم ثقلها، حتى الضحكات التي كانت تبدو نشازًا في حضرة الفقد، أصبحت جزءًا من المشهد؛ وكأن النفس البشرية تملك قدرة غريبة على التكيّف مع كل شيء، حتى مع أكثر الحقائق قسوة.


عند الدخول إلى ساحة ، ينقبض القلب ليس خوفًا من الموت وحده، بل من وضوحه. هناك تسقط كل المسافات التي نصنعها بيننا وبين النهاية، وندرك فجأة أن الإنسان، مهما بالغ في الانشغال والركض والتخطيط، ليس إلا كائنًا هشًّا يؤجل مواجهة مصيره بالضجيج.


في هذا المكان، ترى المشاعر عارية من زينتها؛ دموع مودّع لا تبكي شخصًا راحلًا فقط، بل تبكي نسخةً منه كانت معلّقة بذلك الراحل. كأننا لا نفقد الناس وحدهم، بل نفقد أجزاءً من ذواتنا كانت تعيش من خلالهم.


المفارقة العجيبة في النفس البشرية، أنها تتألم بصدق، ثم تتعايش بصدق أكبر. تبكي بحرقة، ثم تضحك بعد حين، لا خيانةً للحزن، بل لأن الحياة لا تمنح أحدًا رفاهية التوقف طويلًا.


هنا تحديدًا، يتجلى الإنسان كما هو؛ مزيجًا معقدًا من الهشاشة والقسوة، من الفقد والاعتياد، من الانكسار والقدرة العجيبة على الاستمرار. وكأن رقصة الوداع ليست للموتى وحدهم، بل لكل شيء يغادرنا بصمت ويتركنا نكمل الطريق بملامح جديدة.

تعليقات

إرسال تعليق

وصل صوتك للكاتب.. شاركنا أثر الكلمات في نفسك 💛