فرح بلا ثمن
منذ أن وطئتُ جدة، صارت خطواتي بعد انتصاف الليل تعرف طريقها إلى منتزه الفقراء.
مكان لا يدّعي شيئًا، ولا يتجمّل بما ليس فيه؛ مسرح بسيط، أكشاك طعام تتنفس فوضاها الجميلة، وحارس أمن يقف كأنه شاهد لا قاضٍ، لا يسأل الداخلين ولا يودّع الخارجين.
كراسٍ لا تشبه بعضها، وروائح متعبة تتسلّل من الزوايا دون اعتذار.
الموسيقى تعلو، والمغنّي يسكب صوته على جمهورٍ ثملٍ بالفرح لا بالخمر،
ورجل يحمل طبلًا، يدور به كمن يوقظ القلوب لا الآذان، يشعل الحماس بطريقته البدائية الصادقة.
جدّاتٌ تجاعيدهنّ ليست شيخوخة، بل فصول ربيع مرّت وتركَت أثرها،
فتيات تلمع أعينهنّ كأن السعادة وجدت فيهنّ بيتًا مؤقّتًا،
وأطفال يتمايلون مع أحبّتهم، لا يعرفون لماذا يفرحون، لكنهم يفرحون.
هنا فهمت شيئًا لم تعلّمه المدن اللامعة:
أن السعادة لا تحتاج مالًا، ولا زينة، ولا نظامًا صارمًا يقتل عفويتها.
السعادة أن تكون حاضرًا تمامًا، أن تسكن اللحظة دون مقاومة،
أن تقبل الحياة كما تأتيك، عارية، صادقة، ومربكة أحيانًا.
ذلك ما علّمني إيّاه منتزه الفقراء .
أن الفقر ليس في الجيوب، بل في الغياب عن اللحظة،
وأن الإنسان حين يسمح لقلبه أن يكون شاهدًا لا قاضيًا،
يكتشف أن الفرح كان هنا دائمًا، ينتظر فقط من يراه.
تعليقات
إرسال تعليق
● وصل صوتك للكاتب.. شاركنا أثر الكلمات في نفسك 💛