✏️ حوار على حافة المعنى يتبع ✍️٤

طال الصمت بينهما، لا كفراغ، بل كمساحة صلاة لا يعرفان كيف يؤدّيانها. 

كان الصمت هذه المرة أصدق من كل الجدالات، لأنه لم يحاول أن يقنع أحدًا بشيء.

قال وهو ينظر إلى الفراغ أكثر مما ينظر إليها:

 أتعرفين ما الذي أخافه حقًا؟

ليس النار ، بل الاعتياد.

أن نستيقظ يومًا ونمارس حياتنا كما تُمارَس الطقوس الفارغة،

نردد الكلمات الصحيحة، ونعيش الحياة الخطأ.

ثم التفت إليها وقال بنبرة خالية من الادّعاء:

 الله الذي أعرفه لا يسألني لماذا أحببتك،

بل يسألني: هل كذبتُ على نفسي وأنا أفعل؟

الدين عندي ليس حارسًا على المشاعر،

بل شاهدًا عليها.

خفضت رأسها قليلًا، وكأنها تسمع هذا السؤال لأول مرة، ثم قالت:

 وأنا تعبت من أن أعيش بين “يجوز” و”لا يجوز”،

دون أن أسأل: هل هذا ينجّيني من نفسي؟

علّموني أن النجاة في الالتزام،

ولم يعلّموني أن الصدق أيضًا عبادة.

رفعت عينيها إليه وأضافت بصوتٍ مكسور لا يستجدي:

 أنا لا أريد علاقة تُدخلني الجنة،

أريد علاقة لا تُخرجني من إنسانيتي.

لا أريد رجلًا يجرّني إلى الفضيلة،

بل رجلًا يمشي معي وأنا أبحث عنها.

ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال كمن يسلّم:

 إذن لنعترف بشيء أخير ،

نحن لسنا مشروع زواج،

ولا حكاية عشق مكتملة،

نحن تذكير متبادل

بأننا ما زلنا أحياء من الداخل.

نهض بهدوء، لا ليغادر، بل ليمنح اللحظة وزنها، وقال:

 إن كتب الله لنا أن نلتقي مرة أخرى،

فلنكن أكثر صدقًا وأقل خوفًا.

وإن افترقنا،

فلنحمل بعضنا كدعاء لا يُقال،

بل يُعاش.

وقفت، حملت حقيبتها، ثم قالت قبل أن تمضي:

 بعض الناس لا يُكتب لهم أن يكونوا معًا،

لكن يُكتب لهم أن يُنقذوا بعضهم من الزيف.

وأظن أننا فعلنا.

خرجت.

وبقي هو وحده،

لا يشعر بالخسارة،

ولا بالنصر،

بل بشيء أندر:

الطمأنينة التي تأتي

حين تقول الحقيقة كاملة

ثم تتركها عند الله.

✍️ يتبع

تعليقات

إرسال تعليق

وصل صوتك للكاتب.. شاركنا أثر الكلمات في نفسك 💛