حوار على حافة المعنى يتبع ✍️٣

 توقّفت عند الباب لحظة، لا لأن كلماته أربكتها، بل لأن بعض العبارات تُشبه المرايا، وإن كرهنا الوقوف أمامها. 

عادت بخطوتين، جلست، ولم تلمس فنجانها، ثم قالت بصوتٍ هادئ يخفي داخله فوضى كاملة:

 أنت تتحدث عن الاختيار كما لو كان خلاصًا،

وأنا جرّبته حتى تهشّم بين يديّ.

الاختيار يا هذا ليس دائمًا فعل حرية،

أحيانًا يكون حيلة ذكية نُبرر بها وحدتنا.

رفعت حاجبها قليلًا وأضافت:

 تقول إنك لا تطلب الطاعة، جميل.

لكن هل سألت نفسك: هل تقبل امرأة لا تُطيع حتى الله كما صوّره الناس؟

أنا لا أعصي الإيمان،

أنا أعصي النسخة التي صُنعت لترويضنا.

إيماني لا يركع كثيرًا، لكنه لا يكذب.

نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوتٍ أقل حدّة وأكثر عمقًا:

 الإيمان الذي لا يُقلق صاحبه إيمان موروث لا مُختار.

وأنا لا أريد امرأةً تصلي خوفًا،

أريد من تُخاصم الله أحيانًا ثم تعود إليه بصدق.

أما الله الذي يُخيفك مني،

فلم أعرفه يومًا.

ابتسمت بسخرية خفيفة وقالت:

 هذا أخطر ما فيك .

أنت تجعلني أشك في شكوكي.

أنا نشأتُ على أن المرأة الصالحة لا تُجادل،

وأن الحب امتحان،

وأن الزواج نجاة.

ثم اكتشفت متأخرة أنني أغرق كلما حاولت النجاة.

اقتربت من الطاولة، مررت أصابعها فوق الخشب كما لو كانت تستدعي ذكرى، وقالت:

 أنا أخاف أن أُحبك، لا لأنك سيئ،

بل لأنني حين أُحب أُصبح عادلة أكثر مما ينبغي،

وأنا لا أريد أن أكون عادلة .

أريد أن أكون صادقة،

حتى لو كان الصدق قاسيًا.

قال وهو يشبك أصابعه:

 العدل مفهوم اجتماعي،

أما الصدق فحالة وجودية.

وما نخشاه حقًا ليس الحب،

بل ما سيُجبرنا الحب على الاعتراف به داخل أنفسنا.

صمتت لحظة، ثم قالت:

وماذا عن الذنب؟

عن الشعور المزروع فينا منذ الطفولة،

أن أي سعادة لا تمر عبر القالب الصحيح

هي سعادة ناقصة أو محرّمة؟

أجاب بهدوء يشبه صلاة غير مسموعة:

 الذنب الحقيقي أن نعيش نصف حياة

ونسمّيها فضيلة.

الله لا يحتاج إلى تعاستنا ليصدق إيماننا،

ولا إلى وحدتنا ليختبر أخلاقنا.

نظرت إليه هذه المرة طويلاً، ثم قالت بنبرة مكسورة بلا استجداء:

 أنا لا أبحث عن رجل يُنقذني من المجتمع،

ولا عن فكرة أواجه بها العائلة.

أنا فقط أريد أن أنام ليلًا دون أن أكره نفسي،

وأن أستيقظ دون أن أشعر أنني خنت امرأة كنت أحلم أن أكونها.

قال بصوتٍ منخفض:

 وأنا لا أريد امرأة تجعلني أفضل،

أريد من تجعلني أصدق.

أفضل الناس ممثلون بارعون،

أما الصادقون، فمكلفون روحيًا.

ثم مال قليلًا وقال:

 ربما لا يجب أن نتزوج،

وربما لا يجب أن نفترق.

ربما علينا فقط أن نعترف

أن بعض اللقاءات لا وُجدت لتُحل،

بل لتبقى سؤالًا حيًا

يحمينا من البلادة.

ابتسمت ابتسامة شاحبة وقالت:

 لأول مرة ،

لا أملك اعتراضًا جاهزًا.

سكتا.

لم ينتصر أحد.

ولم ينهزم أحد.

وكان ذلك

أصدق ما حدث بينهما.

 ✍️ يتبع

تعليقات

إرسال تعليق

وصل صوتك للكاتب.. شاركنا أثر الكلمات في نفسك 💛