حوار على حافة المعنى يتبع ✍️ ٢

 اقترب قليلًا، لا ليقاطع رحيلها، بل ليمنح الكلام فرصته الأخيرة، وقال وهو يعيد فنجان الشاي إلى الطاولة كما لو يعيد ترتيب فكرة عنيدة:

 انتظري !

ليس لأنني أريدك أن تبقي، بل لأن بعض الجمل إن لم تُقال في وقتها، تتحول إلى ندوب.

نظر إليها بعينٍ لا تطلب شفقة ولا وعدًا، وقال:

تظنين أنني أقدّس الحرب؟ لا

أنا فقط أخاف من السلام حين يأتي على هيئة استسلام أنيق.

الحرب عندي ليست ضجيجًا ولا شعارات،

هي أن أبقى يقظًا ، أن لا أتحول إلى رجل يبتسم في الصور العائلية وينسى كيف كان يشكّ.

ابتسم ابتسامة جانبية، تلك التي لا تُقنع أحدًا، وتابع:

 تقولين إنك سؤال مفتوح، وأنا لا أبحث عن إجابة.

أنا رجل تعلّم متأخرًا أن بعض الأسئلة تُحب لأنها بلا نهاية.

وأقسم لك، لو أردتُ امرأةً تشبه الوطن، لما جلست معك أصلًا،

الوطن يطلب الطاعة،

وأنا لا أجيد إلا العصيان المهذب.

مال بجسده إلى الخلف وقال بهدوء أشبه بالاعتراف:

 لستُ هنا لأكملك، ولا لأُصلحك، ولا لأهدّئك.

أنا أريدك كما أنتِ: فكرة حادة، وموقفًا غير قابل للتأطير.

أريد امرأةً إن سكتتْ، أربكتني،

وإن تكلمتْ، أحرجت قناعاتي.

ثم صمت قليلًا، وكأن ذاكرته تعبره، وقال:

— تعرفين لماذا أصررت؟

لأنني تعبت من أن أكون الرجل الوحيد في المعركة.

لا أريد من يمسك الدرع،

أريد من يسألني: لماذا نحارب أصلًا؟

أريد من يقف بجانبي لا خلفي، ولا أمامي ،

بل في المنطقة التي لا يراها أحد.

رفع نظره إليها وقال بنبرة أكثر انخفاضًا:

 الزواج الذي أريده ليس قفصًا، ولا علمًا يُرفع.

هو هدنة ذكية بين اثنين يعرفان أن الهزيمة الحقيقية

هي أن نعيش دون أن نكون أنفسنا.

اقترب خطوة، لا تهديد فيها ولا استعطاف، وقال:

 إن رحلتِ، سأفهم.

وإن بقيتِ، فلن أطلب منك إلا شيئًا واحدًا:

لا تتصالحي معي .

تخاصمي معي بصدق.

ثم تراجع قليلًا، كمن يترك الباب مواربًا عمدًا، وأضاف:

 أما الآن ،

فاجلسي،

لنشرب الشاي قبل أن يبرد،

فبعض اللحظات إن بردت

لا يمكن تسخينها مرة أخرى.

نظر إليها صامتًا،

لا ينتظر جوابًا،

بل يحترم حقها في أن تختاره

أو تختار نفسها .


✍️ يتبع

تعليقات

إرسال تعليق

وصل صوتك للكاتب.. شاركنا أثر الكلمات في نفسك 💛