حوار على حافة المعنى ١

 سكتت قليلًا، لا لأن الكلام نفد، بل لأن الأفكار حين تتكدّس تحتاج إلى صمتٍ لتصطف. أطفأت السيجارة في المنفضة كما تُطفئ فكرةً لم تنضج بعد، ثم قالت وهي لا تنظر إليه:

أنت تتحدث عن الحرب كما لو كانت فضيلة، وأنا أعرفها كخسارة مؤجلة. 

أعرف ذلك النوع من الرجال الذين يعيشون على حافة الاشتعال، يظنون أن الهدوء خيانة، وأن السلام استقالة من الذات.

وأعرف نفسي جيدًا ، أنا لا أهرب من الحرب، لكنني لا أؤمن بأن كل حرب تستحق أن تُخاض.

اقتربت منه قليلًا، لا بدافع الرغبة، بل بدافع الصدق، وقالت:

مشكلتنا يا هذا، أننا متشابهان أكثر مما ينبغي، وكل تشابهٍ مفرط مشروع فاجعة.

أنت تحارب لأنك لا تعرف ماذا تفعل بفراغك، وأنا أعترض لأنني لا أملك ترف التصالح.

أنت مدمن صراع، وأنا مدمنة معنى والفرق بيننا أن الصراع يستهلك، بينما المعنى ينهك.

ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة، تلك التي لا تُطمئن أحدًا، وأضافت:

تريد زواجًا على مقاسنا؟ جميل لكن من قال إن كل مقاسين يلتقيان؟

أنا امرأة لا تصلح لأن تكون وطناً، ولا محطة استراحة، ولا حتى وعدًا طويل الأمد.

أنا سؤال مفتوح، وكل من حاول أن يضع نقطة في نهايتي، اختنق.

تنهّدت، وكأنها تراجع تاريخها بسرعة، وقالت:

أنا لا أخاف أن أكون معك في سرير واحد، أخاف أن أستيقظ يومًا فأجدني أقل حدّة، أقل اعتراضًا، أقل جنونًا .

أخاف أن أبدأ بتبرير الأشياء، أن أؤجل ثورتي، أن أضع معطفي على كتفي وأقول: “لا بأس، هكذا تسير الحياة”

رفعت عينيها أخيرًا إليه وقالت بوضوح قاسٍ:

أنا لا أريد رجلًا يكمل نقصي،

أريد رجلًا لا يحاول إصلاحه.

لا أريد شريك حرب، ولا حليف ثورة،

أريد شخصًا يفهم أن بعض النساء خُلِقن ليبقين واقفات في منطقة اللاانتماء،

لا زوجات، ولا عشيقات، ولا مشاريع خلاص.

ثم نهضت، التقطت حقيبتها، وقالت بصوتٍ أقل صلابة، لكنه أكثر صدقًا:

دعنا نترك هذا الحوار مفتوحًا، كما تركنا حياتنا دائمًا.

فبعض العلاقات تنجح فقط لأنها لم تُستكمل،

وبعض الأسئلة تفقد قيمتها لحظة العثور على إجابة.

ومضت .

وتركته هناك،

يحرّك بقايا السكر في الشاي،

مدركًا للمرة الأولى

أن بعض الاعتراضات

لا تريد أن تُهزم

ولا أن تنتصر

بل فقط

أن تبقى.


✍️ يتبع

تعليقات

إرسال تعليق

وصل صوتك للكاتب.. شاركنا أثر الكلمات في نفسك 💛